ابن الجوزي

13

القصاص والمذكرين

وقال : ( إني رجل حبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به . . ثم لم يحبّب إليّ فنّ واحد منه . بل فنونه كلها ، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه ، بل أروم استقصاءه ) « 1 » . ولقد ظلّ يطلب العلم في كل أيام حياته . . . فقبل موته بمدة يسيرة قرأ القرآن بالروايات على ابن الباقلاني . قال الذهبي : ( وقد قرأ بواسط وهو ابن ثمانين سنة بالعشر على ابن الباقلاني ، وتلا معه ولده يوسف ) « 2 » . ولقد كانت نشأته نشأة متدينة تقرب من طرق الزهاد المبالغين في العبادة ، وقد اثّر سلوكه الديني في كلامه وبصيرته وحسن تصرفه قال : ( كنت في بداية الصبوة قد ألهمت طريق الزهاد ، بإدامة الصوم والصلاة ، وحببت إليّ الخلوة ، فكنت أجد قلبا طيبا ، وكانت عين بصيرتي حادّة . . . فانتهى الأمر بي إلى أن صار بعض ولاة الأمور يستحسن كلامي ، فأمالني إليه ، فمال الطبع ، ففقدت تلك الحلاوة . ثم أمالني آخر فكنت أتقي مخالطته ومطاعمه لخوف الشبهات . . ) « 3 » . ومما يدل على صدق تدينه حديثه عن نفسه في كتاب « صيد الخاطر » فيبدو أنه كانت تضعف نفسه ، فيقع في بعض المعاصي أو الأمور المشتبهة ، فهو يحاور نفسه حوارا يدل على طيبه وتدينه وصراعه مع نفسه الأمارة بالسوء « 4 » .

--> ( 1 ) « صيد الخاطر » 37 ( 2 ) « تذكرة الحفاظ » 1346 وانظر « الذيل على طبقات الحنابلة » 1 / 401 ( 3 ) « صيد الخاطر » 78 - 79 ( 4 ) يتجلى ذلك في مواضع من كتابه المذكور نشير إلى بعضها فيما يأتي : فمنها الحوار مع نفسه -